الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

93

مختصر الامثل

وهذا هو « برهان القدرة » الذي استدلّ به القرآن الكريم في آيات أخرى في مواجهة منكري المعاد ، ومن جملة هذه الآيات ، الآية ( 82 ) من سورة يس ، والآية ( 99 ) من سورة الإسراء ، والآيتين ( 6 و 7 ) من سورة ق . ونشير إلى أنّ هذه الجملة كانت مقدمة لتهديد تلك الفئة المتعصبة من ذوي القلوب السوداء ، الذين يصّرون على عدم رؤية كل هذه الحقائق ، لذا يضيف تعالى قائلًا : « إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ » . فنأمر الأرض فتنشقّ بزلزلة مهولة وتبتلعهم ، أو نأمر السماء فترميهم بقطعات من الحجر وتدمّر بيوتهم وتهلكهم « أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ » . أجل ، إنّ في هذا الأمر دلائل واضحة على قدرة اللَّه تعالى على كل شيء ، ولكن يختص بإدراك ذلك كل إنسان يتدبر في مصيره ويسعى في الإنابة إلى اللَّه : « إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَةً لِكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ » . ونحن المحكومون بقدرته في كل طرفة عين إنكار قدرته على البعث بعد الموت ، أو كيف نستطيع الفرار من سلطة حكومته . وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ ( 10 ) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 11 ) المواهب الإلهية العظيمة لداود : بناء على ما مرّ ذكره في آخر المجموعة السابقة من الآيات وما قلناه حول « العبد المنيب » والثواب ، ولعلمنا بأنّ هذا الوصف قد ذكر للنبي داود عليه السلام ( في الآية 24 من سورة ص ) - كما سيرد شرحه بإذن اللَّه - فالأفضل من أن نتعرّض لجانب من حياة هذا النبي عليه السلام كمثال للإنابة والتوبة وإكمال البحث السابق ، وهي أيضاً تنبيه لكل من يغمط نعم اللَّه ويتناساها ، ويتخلّى عن عبوديته للَّه‌عند جلوسه على مسند القدرة والسلطة . في الآية الأولى يقول تعالى : « وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا » . فبعد هذه الإشارة الإجمالية العامة ، تبدأ الآية بشرح وتوضيح جوانب من الفضائل المعنوية والمادية التي تمتّع بها داود ، فيقول تعالى : « يَا جِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ وَالطَّيْرَ » . « أوّبي » : في الأصل من « التأويب » بمعنى الترجيع وإعادة الصوت في الحلق ، وهذا الأصل يستعمل أيضاً بمعنى « التوبة » لأنّ حقيقتها الرجوع إلى اللَّه . وفي كتاب كمال الدين وتمام النعمة عن الصادق عليه السلام أنّه قال في حديث يذكر فيه قصة داود عليه السلام : « إنّه خرج يقرأ الزبور ، وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر إلّاجاوبته » .